أبو عـبـدالـلّـه
04-12-2002, 04:58 AM
بعد فراغي من كل أشغال الدنيا، وكل أغراض العيد،
تفرغت لنفسي، وإذا بها تخاطبني:
- أيعجبك وجهك المقيت، كأنه وجه هندي بعد المبيت،
وهذا الجسم الضخم الشبيه بالخرتيت.
أحسست بأن نفسي قد تطاولت علي- على غير عادة- ، ولكن لعل عذرها
في أنها رأت الخَلْق جميعاً قد استعدوا للعيد بكل وسائل الصنفرة الجسدية،
والتنميق لثيابهم العتيقة،
حزمت أمتعة جسدي، وانتفضت كالثور الهصور نحو المرآة،
فوجدت الشعر يغطي ثلاثة أرباع وجهي،
لا تظهر منه إلا القليل من الملامح،
أبعدت بعض الشعر عن قسمات وجهي بواسطة يدي،
فوجدت أن وجهي- وهذا اكتشاف لم أسبق إليه- فيه الكثير
من قسمات الجمال الأخاذ، لا حظت عينين مستديرتين صغيرتين في خبث،
وحاجبين مقرونين كجناحي طائر، وخدوداً قد علتها الشهبة
من آثار الشمس الملتهبة، مع زخات من الغبار،
ولاحظت أيضاً شفة مشققة كالتين الذي زاد حلاه فأصابه التشقق،
أو وردة أصابها الندى فتشققت فرحاً به وابتهاجاً،
وتلك العنفقة ياااااااه يالجمالها،
وقد استرسل شعرها فأخذ يرفع يديه في كل جهة ممكنة وغير ممكنة،
أما الأنف فهو من أخص ملامح الجمال كيف لا وهو قد حاز الجمال
من جميع الجهات ضخامة وانبراشاً، أليس هو القائل فيه الشاعر:
لك وجه فيه قطعة أنفٍ ***** كجدارٍ قد أدعموه ببغلة
وهو كالقبر في المثال ولكن ***** جعلوا نصبه على غير قبلة
وذاك الشاعر عندما يصف حسنه فيقول:
لك أنف ذو أنوفِ ***** أنِفتْ من الأنوفُ
أنت في القدس تصلي ***** وهو في البيت يطوف
ولكن مع كل ما قيل فيه إلا أن حسنه ظاهر لعيني.
خاطبت نفسي قائلاً:
الله الله ما أجمل هذه القسمات، الله ما أحلى وجهي
لو أزلت غابات الشعر التي تخفي جمالي الطاهر،
عقدت العزم على أن أذهب للحلاق كي أحصد شعر وجهي،
أخذت أكثر من ساعة ونصف أبحث عن حلاق لا يعج بالمنتظرين،
وبعد جهد مضنٍ وتعب مشقٍ،وجدت ذلك الحلاق
الذي لم أتبيّن أنه حلاق إلا بعد عرك شديد لعيني،
فكأني قرأت اسم المحل ( ملحمة الصداقة)
ولكنها غير واضحة المعالم حيث كتب فوقها( صالون السعادة)،
ولا أدري ما دخل الصداقة بالملحمة ولا دخل السعادة بالحلاقة،
فرحت كثيراً لكوني لم أجد عنده أحد، وهو قد أشعل سيجارة في حجم المسمار،
لكن دخانها يعبق الجو بروائحها المنتنة.
دلفت إلى الحلاق، وكأني لمحته يفرك يديه انبساطاً بمقدمي،
أنزلت شماغي( العقل) وعقالي، ووضعتهما على الشماعة،
فهاج شعري انبساطاً باشتمام رائحة الهواء والنفس،
حيث إنني تعودت منذ صغري على توقير الشماغ،
وعدم تنزيله إلا في الحالات الحرجة،
منذ أيام الدراسة الأولى حينما كانت الوالدة- أطال الله في عمرها-
تربطه ربطاً محكماً وتصبح ذؤابتيه في قمة رأسي تتحركان
كلما ازداد نشاطي لعباً فأحاكي الغزلان في رياضها،
عندما تتحرك آذانها تبعاً لحركة أجسادها، ياااااه لقد بلغ الزهو بنفسي مبلغه،
ومن يساويني زهواً وغروراً في هذه اللحظة،
طلب الحلاق ذا السحنة الهندية مني الجلوس ،
بعد كنِّه آخر جغمة من تلك السيجارة الضعيفة ذات الرائحة المركزة،
أحضر منشفة تعج برائحة الآباط-فهو يكنى تأبط منشفة-،
بسطها ثم نفضها تجاه وجهي، أحسست بشهقة الموت تعتصرني،
وأحسست بحاجة لسحب (السيفون) على تلك الرائحة التي خنقتني،
والتي يبدو أنها منشفته الشخصية،
لفها على رقبتي، وكأنه يلف حبل المشنقة حولها،
صرت أتتبع قطرات الهواء النقية ثم أستنشقها، كانت مميزة عن غيرها،
حيث لا شعر فيها ولا أعمدة دخان تعتليها،
تحملت كل هذا على مضض؛
رغبة مني في التخلص مما يخفي مواطن الجمال في وجهي،
أخرج عدة الشغل والعملية المرتقبة،
ثم سألني:( شعر ولا دقن) قلت: كلهن، وزد عليهن بحف الشنب حتى يرفع أستاره عن شفتي.
أحضر (سطل) ماء يريد أن يغرق رأسي،
ويبعد الشعرات الملتصقات عن بعضها،
توقعت أنه سيملأ تلك القنينة الجميلة التي تصدر الرذاذ فتحيي موات الجلد،
ولكنه احتضن السطل بكلتا يديه ثم سكبه(صلقه-دلقه-أهرقه) على رأسي.
انتفضت في مكاني(كما انتفض العصفور بلله القطر)،
وما زاده هذا إلا انبساطاً، يبدو أنه يعاني من ظلم الكفيل،
ويرى في وجهي صورته،
أخذ يحد سكينه،
وهو يرفع حاجباً ويغضي بآخر إعلاناً منه عن نية الشر تجاهي،
أحسست بحاجة للخروج من هذا الجو المليء بنظرات الشر،
ضغطت على جوالي كي يصدر نغمة، كي أجد عذراً للقيام والخروج،
ولكن ما إن أنزلت يدي حتى بادرني بدلكة قوية على رأسي،
والله لولا أن عظام جمجمتي متينة، لأخرج منها عصيرها،
أخذ في عرك ودلك، وتقبيص وهرص،
أحسست بأن جلد رأسي يكاد يتفسخ عن جمجمتي، طالبته بالهدوء
وأنا أسترق النظرات إلى المرآة القابعة أمام ناظري،
فأراه قد عض لسانه، وأهوى بكلتا يديه على شعر رأسي، دلكاً وفركاً،
وكلما زاد حماسه كلما تعبق الجو بروائح زكية عطرت أنفي،
فلا أدري من أين ألتقف المصائب، أمن عركه وفركه، أم من الرائحة الفائحة،
أم من تفكيري في كيفية حلقه لرأسي ووجهي،
أتخيله وهو يحلق رأسي بساطور، وينعم وجهي بمنجل،
لا بارك الله في هذا الحلاق،
وما الذي يمنعني من معايدة الناس بوجه كوجهي غير أن الشعر يزينه، آه ليتني لم أفكر بحلقه...
قطع تفكيري، بضربة حانوتية(نسبة إلى الحانوتي) على هامتي،
سمعت من أثرها طقطقة في رقبتي ومخالفة في فقرات ظهري،
كل هذا يبحث عن رضاي في تدليكه إياي،
رفعت يدي معلناً الاستسلام، فتوقف لبرهة يبدو أنه قد صعبت عليه حالتي،
فأحنى رأسه تجاهي، مبدياً الأدب الجم في الاستماع، وياليته ما اقترب،
فلم يزد الرائحة إلا هيجاناً وفوحاناً، فقبلت خده المعشوشب بأشواك الشعر،
وطلبت منه أن يتعدى مرحلة التدليك وينتقل مباشرة إلى الحلاقة،
برق سن ذهبي علته خضرة من أثر الفلفل، وجلجل بضحكة هستيرية،
وأحضر أدواته القاتلة، قابل وجهي بجسمه، وأخذ يفرك ذقنه ،
ويحك خده، ثم سألني: إنتَ يبقى( تبغى) خيط أو موس حلاقة،
دارت علامة تعجب حول مخيلتي، كيف بيستخدم الخيط
وأنا أقصر شعرة من لحيتي طولها سبعة سانتي ،
قلت على كره ومضض: لا أبغى موس حلاقة.
أحضر موسه العتيقة التي علتها تراكمات الشعر،
ودهن وجهي برغوة الصابون الغريب الرائحة، كأني أشم معه رائحة الفازلين،
بعد دهنه لوجهي جميعاً حتى جبهتي،
أحضر تلك الموس العتيقة ليحلق شعر وجهي،
حاولت التمنع والرفض لكنه ابتدأ بها مغرقاً وجهي بالجروح.
بعد انتهائه من حلاقة لحيتي، شاهدت وجهي فلم أر فيه سوى الدماء،
انتقل بعد ذلك إلى شاربي كي يحفه، أخذ مقصاً قد علاه الصدأ،
ولم أستطع عند اقترابه التنفس، فجزه جزاً مقيتاً كاد مع جزه أن يقطع أرنبة أنفي،
فأصبحت بلا شنب سوى خط بسيط كأنه يضع تحت أنفي خطاً لأهميته.
اقتنعت بما عمله، وطلبت منه الاكتفاء بما قام به،
اقتنع هو بعدما رأى أنهار الدماء تسيل من وجهي،
ويبدو أنها أخذت في دربها ماء وجهي، الذي انسكب عند ذلك الحلاق.
أعطيته حقه من النقود، ثم لففت شماغي على وجهي كي لا يراني أحد،
بعد أن وليت الحلاق دبري، خرج من محله ليقول لي:
(( سديق إنتا يبقى حلاقة كويس يجي مرة سانية، أنا يسوي قصة كابوريا)) ،
امتصصت عصارات الألم والقهر ،
وامتطيت صهوة العراوي، صوب حي المروج، للحجز
في أقرب رحلة تجاه مكة المكرمة، فهناك لا أحد يعرفني ،
فبعد أن غسلت الدماء عن وجهي،
رأيت وجهاً (( قُبِّح من وجهٍ وقبح حامله))،
ورأيت أنه من العيب أن أقابل أهلي بهذا الوجه البشع،
رحم الله الشعر، لقد كان يستر أوجه القبح التي كنت أراها مختفية تحت تلال الشعر،
وياليتها لم تظهر، رأيت في دقني فرقة كفرقة رأس أمي عندما تمشطه،
وأصبح وجهي طويلاً كالمسطرة، بعد أن كان الشعر قد عمل له توازناً مقبولاً،
لكن الذي أعجبني في وجهي بعد حلاقته تلك الغمازتين في خدي كلما ابتسمت،
يا لجمالهما ويالروعتهما.
أخواني: هذه القصة لا تحكي الواقع، إنما هي خيال سكبته بعض تداعيات الواقع.
وأعتذر عن بعض السقطات اللفظية، والتجاوز أحياناً في التعبير.
أخوكم/ أبو عبد الله (فهد).
تفرغت لنفسي، وإذا بها تخاطبني:
- أيعجبك وجهك المقيت، كأنه وجه هندي بعد المبيت،
وهذا الجسم الضخم الشبيه بالخرتيت.
أحسست بأن نفسي قد تطاولت علي- على غير عادة- ، ولكن لعل عذرها
في أنها رأت الخَلْق جميعاً قد استعدوا للعيد بكل وسائل الصنفرة الجسدية،
والتنميق لثيابهم العتيقة،
حزمت أمتعة جسدي، وانتفضت كالثور الهصور نحو المرآة،
فوجدت الشعر يغطي ثلاثة أرباع وجهي،
لا تظهر منه إلا القليل من الملامح،
أبعدت بعض الشعر عن قسمات وجهي بواسطة يدي،
فوجدت أن وجهي- وهذا اكتشاف لم أسبق إليه- فيه الكثير
من قسمات الجمال الأخاذ، لا حظت عينين مستديرتين صغيرتين في خبث،
وحاجبين مقرونين كجناحي طائر، وخدوداً قد علتها الشهبة
من آثار الشمس الملتهبة، مع زخات من الغبار،
ولاحظت أيضاً شفة مشققة كالتين الذي زاد حلاه فأصابه التشقق،
أو وردة أصابها الندى فتشققت فرحاً به وابتهاجاً،
وتلك العنفقة ياااااااه يالجمالها،
وقد استرسل شعرها فأخذ يرفع يديه في كل جهة ممكنة وغير ممكنة،
أما الأنف فهو من أخص ملامح الجمال كيف لا وهو قد حاز الجمال
من جميع الجهات ضخامة وانبراشاً، أليس هو القائل فيه الشاعر:
لك وجه فيه قطعة أنفٍ ***** كجدارٍ قد أدعموه ببغلة
وهو كالقبر في المثال ولكن ***** جعلوا نصبه على غير قبلة
وذاك الشاعر عندما يصف حسنه فيقول:
لك أنف ذو أنوفِ ***** أنِفتْ من الأنوفُ
أنت في القدس تصلي ***** وهو في البيت يطوف
ولكن مع كل ما قيل فيه إلا أن حسنه ظاهر لعيني.
خاطبت نفسي قائلاً:
الله الله ما أجمل هذه القسمات، الله ما أحلى وجهي
لو أزلت غابات الشعر التي تخفي جمالي الطاهر،
عقدت العزم على أن أذهب للحلاق كي أحصد شعر وجهي،
أخذت أكثر من ساعة ونصف أبحث عن حلاق لا يعج بالمنتظرين،
وبعد جهد مضنٍ وتعب مشقٍ،وجدت ذلك الحلاق
الذي لم أتبيّن أنه حلاق إلا بعد عرك شديد لعيني،
فكأني قرأت اسم المحل ( ملحمة الصداقة)
ولكنها غير واضحة المعالم حيث كتب فوقها( صالون السعادة)،
ولا أدري ما دخل الصداقة بالملحمة ولا دخل السعادة بالحلاقة،
فرحت كثيراً لكوني لم أجد عنده أحد، وهو قد أشعل سيجارة في حجم المسمار،
لكن دخانها يعبق الجو بروائحها المنتنة.
دلفت إلى الحلاق، وكأني لمحته يفرك يديه انبساطاً بمقدمي،
أنزلت شماغي( العقل) وعقالي، ووضعتهما على الشماعة،
فهاج شعري انبساطاً باشتمام رائحة الهواء والنفس،
حيث إنني تعودت منذ صغري على توقير الشماغ،
وعدم تنزيله إلا في الحالات الحرجة،
منذ أيام الدراسة الأولى حينما كانت الوالدة- أطال الله في عمرها-
تربطه ربطاً محكماً وتصبح ذؤابتيه في قمة رأسي تتحركان
كلما ازداد نشاطي لعباً فأحاكي الغزلان في رياضها،
عندما تتحرك آذانها تبعاً لحركة أجسادها، ياااااه لقد بلغ الزهو بنفسي مبلغه،
ومن يساويني زهواً وغروراً في هذه اللحظة،
طلب الحلاق ذا السحنة الهندية مني الجلوس ،
بعد كنِّه آخر جغمة من تلك السيجارة الضعيفة ذات الرائحة المركزة،
أحضر منشفة تعج برائحة الآباط-فهو يكنى تأبط منشفة-،
بسطها ثم نفضها تجاه وجهي، أحسست بشهقة الموت تعتصرني،
وأحسست بحاجة لسحب (السيفون) على تلك الرائحة التي خنقتني،
والتي يبدو أنها منشفته الشخصية،
لفها على رقبتي، وكأنه يلف حبل المشنقة حولها،
صرت أتتبع قطرات الهواء النقية ثم أستنشقها، كانت مميزة عن غيرها،
حيث لا شعر فيها ولا أعمدة دخان تعتليها،
تحملت كل هذا على مضض؛
رغبة مني في التخلص مما يخفي مواطن الجمال في وجهي،
أخرج عدة الشغل والعملية المرتقبة،
ثم سألني:( شعر ولا دقن) قلت: كلهن، وزد عليهن بحف الشنب حتى يرفع أستاره عن شفتي.
أحضر (سطل) ماء يريد أن يغرق رأسي،
ويبعد الشعرات الملتصقات عن بعضها،
توقعت أنه سيملأ تلك القنينة الجميلة التي تصدر الرذاذ فتحيي موات الجلد،
ولكنه احتضن السطل بكلتا يديه ثم سكبه(صلقه-دلقه-أهرقه) على رأسي.
انتفضت في مكاني(كما انتفض العصفور بلله القطر)،
وما زاده هذا إلا انبساطاً، يبدو أنه يعاني من ظلم الكفيل،
ويرى في وجهي صورته،
أخذ يحد سكينه،
وهو يرفع حاجباً ويغضي بآخر إعلاناً منه عن نية الشر تجاهي،
أحسست بحاجة للخروج من هذا الجو المليء بنظرات الشر،
ضغطت على جوالي كي يصدر نغمة، كي أجد عذراً للقيام والخروج،
ولكن ما إن أنزلت يدي حتى بادرني بدلكة قوية على رأسي،
والله لولا أن عظام جمجمتي متينة، لأخرج منها عصيرها،
أخذ في عرك ودلك، وتقبيص وهرص،
أحسست بأن جلد رأسي يكاد يتفسخ عن جمجمتي، طالبته بالهدوء
وأنا أسترق النظرات إلى المرآة القابعة أمام ناظري،
فأراه قد عض لسانه، وأهوى بكلتا يديه على شعر رأسي، دلكاً وفركاً،
وكلما زاد حماسه كلما تعبق الجو بروائح زكية عطرت أنفي،
فلا أدري من أين ألتقف المصائب، أمن عركه وفركه، أم من الرائحة الفائحة،
أم من تفكيري في كيفية حلقه لرأسي ووجهي،
أتخيله وهو يحلق رأسي بساطور، وينعم وجهي بمنجل،
لا بارك الله في هذا الحلاق،
وما الذي يمنعني من معايدة الناس بوجه كوجهي غير أن الشعر يزينه، آه ليتني لم أفكر بحلقه...
قطع تفكيري، بضربة حانوتية(نسبة إلى الحانوتي) على هامتي،
سمعت من أثرها طقطقة في رقبتي ومخالفة في فقرات ظهري،
كل هذا يبحث عن رضاي في تدليكه إياي،
رفعت يدي معلناً الاستسلام، فتوقف لبرهة يبدو أنه قد صعبت عليه حالتي،
فأحنى رأسه تجاهي، مبدياً الأدب الجم في الاستماع، وياليته ما اقترب،
فلم يزد الرائحة إلا هيجاناً وفوحاناً، فقبلت خده المعشوشب بأشواك الشعر،
وطلبت منه أن يتعدى مرحلة التدليك وينتقل مباشرة إلى الحلاقة،
برق سن ذهبي علته خضرة من أثر الفلفل، وجلجل بضحكة هستيرية،
وأحضر أدواته القاتلة، قابل وجهي بجسمه، وأخذ يفرك ذقنه ،
ويحك خده، ثم سألني: إنتَ يبقى( تبغى) خيط أو موس حلاقة،
دارت علامة تعجب حول مخيلتي، كيف بيستخدم الخيط
وأنا أقصر شعرة من لحيتي طولها سبعة سانتي ،
قلت على كره ومضض: لا أبغى موس حلاقة.
أحضر موسه العتيقة التي علتها تراكمات الشعر،
ودهن وجهي برغوة الصابون الغريب الرائحة، كأني أشم معه رائحة الفازلين،
بعد دهنه لوجهي جميعاً حتى جبهتي،
أحضر تلك الموس العتيقة ليحلق شعر وجهي،
حاولت التمنع والرفض لكنه ابتدأ بها مغرقاً وجهي بالجروح.
بعد انتهائه من حلاقة لحيتي، شاهدت وجهي فلم أر فيه سوى الدماء،
انتقل بعد ذلك إلى شاربي كي يحفه، أخذ مقصاً قد علاه الصدأ،
ولم أستطع عند اقترابه التنفس، فجزه جزاً مقيتاً كاد مع جزه أن يقطع أرنبة أنفي،
فأصبحت بلا شنب سوى خط بسيط كأنه يضع تحت أنفي خطاً لأهميته.
اقتنعت بما عمله، وطلبت منه الاكتفاء بما قام به،
اقتنع هو بعدما رأى أنهار الدماء تسيل من وجهي،
ويبدو أنها أخذت في دربها ماء وجهي، الذي انسكب عند ذلك الحلاق.
أعطيته حقه من النقود، ثم لففت شماغي على وجهي كي لا يراني أحد،
بعد أن وليت الحلاق دبري، خرج من محله ليقول لي:
(( سديق إنتا يبقى حلاقة كويس يجي مرة سانية، أنا يسوي قصة كابوريا)) ،
امتصصت عصارات الألم والقهر ،
وامتطيت صهوة العراوي، صوب حي المروج، للحجز
في أقرب رحلة تجاه مكة المكرمة، فهناك لا أحد يعرفني ،
فبعد أن غسلت الدماء عن وجهي،
رأيت وجهاً (( قُبِّح من وجهٍ وقبح حامله))،
ورأيت أنه من العيب أن أقابل أهلي بهذا الوجه البشع،
رحم الله الشعر، لقد كان يستر أوجه القبح التي كنت أراها مختفية تحت تلال الشعر،
وياليتها لم تظهر، رأيت في دقني فرقة كفرقة رأس أمي عندما تمشطه،
وأصبح وجهي طويلاً كالمسطرة، بعد أن كان الشعر قد عمل له توازناً مقبولاً،
لكن الذي أعجبني في وجهي بعد حلاقته تلك الغمازتين في خدي كلما ابتسمت،
يا لجمالهما ويالروعتهما.
أخواني: هذه القصة لا تحكي الواقع، إنما هي خيال سكبته بعض تداعيات الواقع.
وأعتذر عن بعض السقطات اللفظية، والتجاوز أحياناً في التعبير.
أخوكم/ أبو عبد الله (فهد).